صديق الحسيني القنوجي البخاري
546
فتح البيان في مقاصد القرآن
ويدخل في ذلك من يحاكي الناس في أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه . والأول أولى . وأصل الهمزة الكسر يقال همز رأسه كسره ، وقيل أصل الهمز واللمز الضرب والدفع ، يقال همزه يهمزه همزا ولمزه يلمزه لمزا إذا دفعه وضربه . قرأ الجمهور يقال همزة لمزة بضم أولهما وفتح الميم فيهما ، وقرىء بسكون الميم فيهما وقرأ أبو وائل والنخعي والأعمش ( ويل للهمزة اللمزة ) والآية تعم كل من كان متصفا بذلك ولا ينافيه نزولها على سبب خاص ، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وعن ابن عباس أنه سئل عن همزة لمزة قال : هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الأخوان ، وعنه قال همزة طعان ولمزة مغتاب . وقوله : الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ يدل من كل ، أو في محل نصب على الذم ، وهذا أرجح لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح أو تعليل لما قبله ، وإنما وصفه سبحانه بهذا الوصف لأنه يجري مجرى السبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال ، وظنه أنه الفضل فلأجل ذلك يتنقص غيره . قرأ الجمهور جمع مخففا وقرىء مثقلا . قال الرازي الفرق أن التشديد يفيد أنه جمعه من ههنا ومن ههنا ولم يجمعه في يوم واحد ، ولا في يومين ، ولا في شهر ولا في شهرين ، وأن التخفيف لا يفيد ذلك ، ونكر مالًا للتعظيم أي مالا بلغ في الخبث والفساد أقصى النهايات فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر به . وقرأ الجمهور وَعَدَّدَهُ مشددا وقرىء بالتخفيف والتشديد في الكلمتين يدل على التكثير ، وهو جمع الشيء بعد الشيء وتعديده مرة بعد أخرى ، قال الفراء معنى عدده أحصاه فهو مأخوذ من العد ، وقال الزجاج وعدده لنوائب الدهور يقال أعددت الشيء وعددته إذا أمسكته ، قال السدي أحصى عدده ، وقال الضحاك أعد ماله لمن يرثه ، وقيل المعنى فاخر بكثرته وعدده . والمقصود ذمه على جمع المال وإمساكه وعدم انفاقه في سبل الخير ، وقيل المعنى على قراءة التخفيف في عدده أنه جمع عشيرته وأقاربه ، قال المهدوي من خفف وعدده فهو معطوف على المال أي وجمع عدده . وجملة يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ مستأنفة لتقرير ما قبلها ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل جمع أي يعمل عمل من يظن أن ماله يتركه حيا مخلدا لا يموت ، وأخلده ماض معناه المضارع أي يخلده ، وقال عكرمة يحسب أن ماله يزيد في عمره .